top of page

نظام الفطرة - 2:كيف تعيد تشغيل نظامك الأصلي في عالم متسارع ؟

  • صورة الكاتب: Wijdan Surfing
    Wijdan Surfing
  • 4 أغسطس
  • 3 دقيقة قراءة


عناصر تعطيل الفطرة

لا تختفي الفطرة من الإنسان، لكنها قد تُحجب أو يضعف تأثيرها بسبب عوامل وممارسات متراكمة. وقد يتحول الإنسان بسبب هذه المعطلات من كائن فضولي ومستكشف وفاعل إلى شخص متلقٍّ يخشى التجربة وينتظر توجيه الآخرين.

البيئة السلبية

تؤثر البيئة التي يسودها الخوف أو العنف أو الإهمال أو الفوضى في نمو الإنسان. فعندما لا يشعر بالأمان، يوجّه طاقته نحو الدفاع عن نفسه والبقاء، بدل توجيهها نحو التعلم والاستكشاف والإبداع.

كما أن البيئة الفقيرة بالتجارب، أو التي تمنع الحركة والتفاعل، تحدّ من استخدام الحواس والخيال، وتضعف قدرة الإنسان على اكتشاف ذاته والعالم.

التربية الأسرية غير الواعية

قد تتحول التربية الأسرية إلى عامل تعطيل عندما تقوم على المقارنة، أو التهديد، أو القمع، أو الحماية المفرطة، أو فرض رغبات الوالدين على الأبناء.

فعندما يُمنع الطفل من التعبير والتجربة والخطأ، يتعلم أن يبحث عن رضا الآخرين بدل أن يكتشف ذاته. وعندما يُطلب منه أن يكون نسخة من غيره، يفقد تدريجيًا ثقته بميوله واستعداداته الخاصة.

ولا يعني ذلك أن الأسرة معطِّلة للفطرة في ذاتها، بل إن بعض الممارسات الأسرية قد تحجبها عندما تقدّم الطاعة المطلقة على الوعي والمسؤولية والاستقلال.

النظم التعليمية العامة

قد تعطل بعض النظم التعليمية الفطرة عندما تتعامل مع جميع المتعلمين بالطريقة نفسها، وتفرض عليهم مسارًا موحّدًا، وتقيس قدراتهم من خلال اختبارات محدودة، وتركز على الحفظ والتلقين أكثر من التجربة والتفكير.

فالإنسان يمتلك استعدادات وميولًا متعددة، ولا يمكن اختزال نجاحه في درجة اختبار أو نوع واحد من الذكاء. وكل نظام يهمل الفروق الفردية قد يدفع المتعلم إلى الشك في قدراته والابتعاد عن اهتماماته الحقيقية.

النظم الاقتصادية والاستهلاكية

قد تختزل بعض النظم الاقتصادية قيمة الإنسان في مقدار إنتاجه، أو دخله، أو قدرته على الاستهلاك. وعندها يصبح النجاح مرتبطًا بالامتلاك والصورة الاجتماعية، لا بالمعنى أو الأثر أو الاتزان.

وقد يدفع هذا الإنسان إلى اختيار عمله وحياته وفق ضغط السوق وتوقعات المجتمع، بدل اختيار المسار الذي يتوافق مع استعداداته وقيمه ووظيفته في الحياة.

نظم العمل الجامدة

تُضعف نظم العمل الجامدة الفطرة عندما تجعل الإنسان يؤدي مهام متكررة بلا معنى، أو تحرمه من الاستقلال والإبداع والمشاركة واتخاذ القرار.

فالعمل يمكن أن يكون مجالًا للتعبير عن القدرات وخدمة المجتمع، لكنه يتحول إلى مصدر للاستنزاف عندما ينفصل عن قيم الإنسان وميوله واحتياجاته النفسية والإنسانية.

غياب المربّين الواعين

عندما يغيب المربّي الواعي، يصبح الإنسان أكثر عرضة للتوجيه العشوائي من المجتمع والإعلام والسوق. وقد يمتلك قدرات كبيرة، لكنه لا يجد من يلاحظها أو يساعده على فهمها وتنميتها وتحويلها إلى مسار واضح.

فوجود المربّي لا يعني فرض الطريق، بل مساعدة الإنسان على رؤية الطرق الممكنة واتخاذ قراره بوعي.

غياب الخريطة المعرفية للتربية

تحتاج التربية إلى خريطة توضح مراحل نمو الإنسان، واحتياجات كل مرحلة، والعلاقة بين الجسد والحواس والعقل والنفس والوعي.

وفي غياب هذه الخريطة، تتحول التربية إلى مجموعة من الاجتهادات المتفرقة وردود الأفعال اليومية، وقد يُطلب من الإنسان ما لا يتناسب مع مرحلته أو استعداداته.

والخريطة التربوية لا تفرض طريقًا واحدًا على الجميع، بل تساعد المربّي على فهم النمو الإنساني واختيار التدخل المناسب دون استعجال أو تعطيل.

غياب نظم التربية الفطرية

لا يكفي وجود أفراد يؤمنون بالفطرة، بل نحتاج إلى نظم أسرية وتعليمية واجتماعية تجعل التجربة والاستكشاف والمرونة واحترام الفروق الفردية جزءًا من الحياة اليومية.

فغياب هذه النظم يجعل تنمية الفطرة مرتبطة بجهود فردية محدودة، قد لا تستطيع مواجهة تأثير المؤسسات والأنظمة الأكبر.

تشغيل نظام الفطرة

يبدأ تشغيل نظام الفطرة بإزالة المعطلات التي تحجب استعدادات الإنسان وتمنعه من التعبير عن طبيعته. فالفطرة لا تحتاج دائمًا إلى إضافة شيء جديد إليها، بقدر ما تحتاج إلى إزالة الخوف والقمع والتلقين والصور المفروضة التي تراكمت حولها.

وتقوم عملية تشغيل نظام الفطرة على مجموعة من الخطوات المترابطة.

تبدأ أولًا بملاحظة المعطلات الموجودة في البيئة والأسرة والتعليم والعمل، والتمييز بين ما ينمّي الإنسان وما يستهلكه أو يبعده عن ذاته.

ثم تأتي إعادة الاتصال بالحواس والجسد من خلال الحركة والطبيعة والفنون والأنشطة اليدوية والتجارب المباشرة؛ حتى يستعيد الإنسان قدرته على الشعور والملاحظة والتفاعل.

بعد ذلك، تُهيّأ له بيئة آمنة تسمح له بطرح الأسئلة، وارتكاب الأخطاء، وإعادة المحاولة، والتعبير عن اهتماماته دون خوف من السخرية أو المقارنة.

كما يحتاج الإنسان إلى تجارب متنوعة تساعده على اكتشاف ميوله واستعداداته، بدل مطالبته باختيار مساره قبل أن تتاح له فرصة حقيقية للتجربة.

ويأتي دور المربّي الواعي الذي يرافق الإنسان دون السيطرة عليه، ويساعده على تحويل فضوله واستعداداته إلى معرفة ومهارة ومسؤولية.

ويكتمل تشغيل نظام الفطرة ببناء خريطة معرفية للتربية توضّح مراحل النمو واحتياجاتها، وتربط بين الجسد والحواس والعقل والنفس والوعي، وتنظر إلى الإنسان بوصفه وحدة متكاملة لا مجموعة أجزاء منفصلة.

وبذلك يمكن تلخيص تشغيل نظام الفطرة في المسار الآتي:

إزالة المعطلات، وإيقاظ الحواس، وإتاحة التجربة، وتهيئة البيئة التفاعلية، وتوفير المربّي الواعي، وبناء الخريطة التربوية.

الخاتمة: نظام الفطرة ووجدان سيرفينج

نظام الفطرة ليس دعوة إلى رفض الأسرة أو التعليم أو المجتمع أو العمل، بل دعوة إلى إعادة بناء هذه النظم بطريقة تساعد الإنسان على اكتشاف ذاته وتنمية استعداداته وتحقيق التوازن في حياته.

فالإنسان يحمل في داخله بذور هويته وقدراته، لكنه يحتاج إلى بيئة تكشفها، وتجربة تنمّيها، ومربٍّ يحميها، وخريطة تساعده على توجيهها. وكلما أزيلت المعطلات من طريقه، أصبح أكثر قدرة على فهم ذاته، واختيار مساره، وتحويل إمكاناته إلى أثر حقيقي في العالم.

.

 
 
 

تعليقات


bottom of page