بامبونسيه
- Wijdan Surfing
- 11 أغسطس
- 3 دقيقة قراءة
في طرفٍ بعيد من حديقةٍ كبيرة، عاش بامبو طويل القامة، سريع النمو، يحب الريح والفضاء. كانت جذوره تمتد تحت الأرض في هدوء، بينما ترتفع سيقانه نحو السماء كأنها لا تعرف التوقف. وعلى الطرف الآخر من الحديقة، عاشت شجرة صغيرة تُدعى بونساي. كانت هادئة، دقيقة الأغصان، تبدو كأنها شجرة عظيمة اختصرت نفسها في مساحة صغيرة.كل صباح كان بامبو ينظر إليها ويقول: ما أجملك يا بونساي أتمنى لو كنت مثلك؛ صغيرًا، هادئًا، ويمكنني العيش فوق طاولة قرب النافذة. فتضحك بونساي وتجيبه: وأنا أتمنى لو كنت مثلك؛ أطول كل يوم، أتحرك مع الريح، وأصل إلى السماء.ومع الأيام أحب كل واحدٍ منهما الآخر. وفي إحدى الليالي قال بامبو: لماذا لا نتزوج ونصنع شجرة جديدة تجمع أجمل ما فينا؟ سألته بونساي بحماس: وماذا نسميها؟ فكر بامبو قليلًا ثم قال: بامبونسيه! فضحكا طويلًا.وتخيلا شجرتهما الجديدة؛ تنمو بسرعة البامبو، وتبقى صغيرة كالبونساي، لها سيقان البامبو وفروع البونساي، وتعيش في أصغر إناء، وفي الوقت نفسه ترتفع حتى السماء. قالا معًا: ستكون أكمل شجرة في العالم!ومنذ ذلك اليوم بدأ الاثنان يحاولان تغيير نفسيهما استعدادًا لولادة بامبونسيه. طلب بامبو من البستاني أن يقص جذوره، ويضعه في إناء صغير، ويمنعه من التمدد. وفي البداية فرح وقال: انظري! لقد أصبحت مثلك. لكن بعد مدة بدأت أوراقه تذبل. كان شيء في داخله يطلب الأرض الواسعة. جذوره تريد أن تمتد، وسيقانه تريد أن ترتفع، والريح التي كانت تسعده أصبحت تصل إليه فلا يجد المساحة ليرقص معها.وفي الجهة الأخرى، قررت بونساي أن تصبح مثل بامبو. قالت: لن أسمح لأحد أن يقص أغصاني بعد اليوم. سأكبر بسرعة، وسأصبح بطولك. كانت تستيقظ كل صباح وتنظر إلى نفسها منتظرة أن تقفز نحو السماء. مر يوم، ثم أسبوع، ثم أشهر، لكنها لم تصبح بامبو.غضبت من نفسها وقالت: ربما لا أحاول بما يكفي. فبدأت تشد أغصانها إلى أعلى، وتضع حول جذعها دعامات طويلة، وتقارن نفسها بالبامبو كل صباح. لكنها كلما حاولت أن تصبح شيئًا آخر، فقدت شيئًا من جمالها.جلس الاثنان ذات مساء صامتين. كان بامبو ضعيفًا داخل إنائه، وكانت بونساي متعبة من محاولة أن تصبح طويلة. مر بجوارهما البستاني العجوز، فنظر إليهما وقال: ماذا فعلتما بأنفسكما؟قال بامبو: أردنا أن نصنع شجرة جديدة اسمها بامبونسيه. وقالت بونساي: فأردت أن أصبح مثله، وأراد هو أن يصبح مثلي.ابتسم البستاني وجلس بينهما، ثم أخرج بذرتين من جيبه. رفع الأولى وقال: داخل هذه البذرة شيء لا تستطيع العين رؤيته. سأله بامبو: ماذا؟ قال: نظامها.ثم رفع البذرة الثانية وقال: كل بذرة تحمل في داخلها طريقةً خاصة بها في النمو، والجذور، والأوراق، والحاجة إلى الماء والضوء والمساحة. تستطيع البيئة أن تساعد الشجرة على النمو أو تعيقها. يمكنني أن أقص غصنًا، وأغير اتجاهه، وأضع الشجرة في إناء، وأعطيها ماءً أكثر أو أقل، لكنني لا أستطيع أن أطلب من البامبو أن ينسى أنه بامبو، ولا من شجرة أخرى أن تلغي أصلها لتصبح بامبو.قالت بونساي: إذن لا يمكننا أن نكون معًا؟ ضحك البستاني وقال: ومن قال إن الاختلاف يمنعكما من أن تكونا معًا؟ثم أخرج بامبو من الإناء الضيق وأعاده إلى الأرض، ووضع بونساي بجانبه في مكان يصل إليه الضوء الذي تحتاجه. وقال: الخطأ لم يكن في حبكما لبعضكما، بل في أن كل واحد منكما اعتقد أن عليه أن يلغي فطرته حتى يقترب من الآخر.مرت الشهور. عاد بامبو يرتفع عاليًا، وعادت بونساي إلى هدوئها وجمالها. وحين كانت الشمس قوية، صنع البامبو ظلًا لطيفًا حول المكان. وحين كان بامبو يتحرك بعنف مع الريح، كانت بونساي تذكره بهدوء الجذور.لم يصبح بامبو بونساي، ولم تصبح بونساي بامبو، لكن الحديقة أصبحت أجمل لأن كليهما كان فيها.وفي الربيع التالي، ظهرت بينهما نبتة صغيرة. نظر إليها بامبو بحماس وقال: هل هذه بامبونسيه؟ اقترب البستاني وضحك وقال: لا تستعجلا في تسميتها. قالت بونساي: لماذا؟ أجاب: دعوها أولًا تخبرنا من تكون.جلس الاثنان يراقبان النبتة. لم يشدا أغصانها، ولم يقارناها بأحد، ولم يقولا لها: كوني طويلة، ولا: كوني قصيرة. كانا يمنحانها الماء والضوء والمساحة، وينتظران.ومع مرور الأيام بدأت النبتة تكشف عن شكلها الخاص. عندها فهم بامبو وبونساي السر؛ أن الحياة لا تبدأ بالسؤال: ماذا نريد لهذا الكائن أن يكون؟ بل بالسؤال: ما النظام الذي جاء به إلى الحياة؟ومنذ ذلك اليوم بقي اسم بامبونسيه مكتوبًا على قطعة خشبية صغيرة في وسط الحديقة، لكن الاسم لم يعد يعني شجرة نصفها بامبو ونصفها بونساي، بل أصبح اسمًا للدرس الذي تعلمه الجميع:يمكنك أن تهذب الفطرة، وتتعلم، وتتغير، وتتطور، لكن لا يمكنك أن تبني حياة متزنة وأنت تحارب نظامك الأصلي.فلكل كائن طريقته في النمو، ولكل بذرة توقيتها، ولكل شجرة جذورها.والحرية الحقيقية لا تبدأ عندما تصبح شيئًا آخر، بل عندما تكتشف ما أودع فيك، ثم تمنحه البيئة التي تسمح له أن يزدهر.

.png)

تعليقات